هيكل يخوض أخطر معاركه

  • 01 July 2026
  • 3 hrs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: الجمهورية
    • article image
    عماد مرمل -

    وجد قائد الجيش العماد رودولف هيكل نفسه منذ أشهر، في قلب معركة متعددة الجبهات، قد تكون الأخطر في مسيرته، ويُراد منها محاصرته في زاوية ضيّقة: فإما يخوض مواجهة عسكرية ضدّ «حزب الله» لنزع سلاحه بالقوة، وإما إحراجه لإخراجه بالإقالة او الاستقالة. فكيف يتعامل مع هذا التحدّي؟

    لا تتوقف الضغوط على المؤسسة العسكرية، سواء من الداخل او الخارج، بل هي تتخذ منحى تصاعدياً مع تلاحق التطورات السياسية والميدانية.

    وإذا كان قائد الجيش العماد رودولف هيكل قد استطاع حتى الآن النجاة من «المكامن» التي نُصبت له عند التقاطعات المفصلية، فإنّ المرجح أن يتواصل استهدافه، بغية دفعه في اتجاهات لا يزال يتفادى سلوكها، لمعرفته بأنّها مزروعة بالألغام.

    واللافت أنّ التصويب على المؤسسة العسكرية وصل أخيراً إلى درجة التحريض في الكواليس، على إقالة هيكل، إذا لم تنجح محاولات دفعه إلى الاستقالة، ما استدعى تدخّلاً حازماً من الرئيس نبيه بري، الذي نُقل عنه تنبيهه إلى انّ الخطر الأكبر الذي يُنذر بكارثة يتمثل في أي محاولة للمساس بالجيش أو فتح نقاش حول إقالة قائده. محذّراً من «انّهم إذا مسّوا بالجيش أو بقائده، فلن نسكت».

    وليس خافياً، انّ بعض القوى الداخلية اتهمت الجيش أخيراً بأنّه جزء من الدولة العميقة التي تعوق تنفيذ قرارات الحكومة، خصوصاً تلك المتصلة بسحب سلاح «حزب الله» وحصره في يد الدولة، مشيرة إلى انّه يتقاعس عن تنفيذ هذه المهمّة ويتحايل على القرار السياسي المتخذ في هذا الصدد.

    ويتقاطع ذلك مع نشاط مجموعة ضغط لبنانية في واشنطن، تحرّض منذ فترة على هيكل لدى مراكز القرار الأميركي، ملاقية في هذا الإطار موقف بعض صقور الإدارة الأميركية والكونغرس، الذين لا يخفون اعتراضهم الشديد على سلوك قائد الجيش وتساهله في مقاربة ملف نزع سلاح الحزب، وهذا ما عكسته المواجهة التي حصلت بينه وبين السيناتور ليندسي غراهام خلال زيارته السابقة للولايات المتحدة. وقد أتت العقوبات الأميركية التي فُرضت قبل فترة قصيرة على أحد كبار ضباط الجيش، لتعكس انزعاج واشنطن، ولتوجّه رسالة إلى قيادته بأنّها تحت المجهر، وانّ المطلوب منها قطع كل الخيوط مع الحزب. سياسة

    وحتى تكتمل عناصر الهجوم على اليرزة، دخل بنيامين نتنياهو على الخط، مشيراً إلى انّ هناك «عناصر جهادية» داخل الجيش، وانّ عليه إجراء تغييرات في صفوفه، ولافتاً إلى انّ «الحكومة اللبنانية مطالبة بالتعامل مع هذا الأمر، وسنختبر ذلك على أرض الواقع».

    وإزاء هذه الحملة المترامية الأطراف، يبدو أنّ هيكل مصمّم على التعاطي معها بأعصاب هادئة وباردة، منطلقاً من أنّ أفضل ردّ عليها يكمن في التمسك بما يعتبر انّها ثوابت لا يمكن التراجع عنها مهما كان الثمن. ولعلّ أولى تلك الثوابت بالنسبة إلى هيكل هي حماية السلم الأهلي، وعدم الانزلاق إلى أي فتنة داخلية، ستكون المؤسسة العسكرية نفسها في طليعة قائمة ضحاياها، وهو العارف برهافة تركيبة الجيش التي تعكس تنوّع المجتمع اللبناني، من دون أن يعني ذلك التمرّد على قرارات السلطة السياسية حول حصر السلاح. لكن هيكل يفترض أنّ التنفيذ لا ينبغي أن يتمّ وفق آليات جامدة او مستوردة، بل يجب أن يأخذ في الحسبان الواقع اللبناني وتعقيداته، على قاعدة انّ المطلوب أكل العنب وليس قتل الناطور.. وذلك بعدما ينضج العنقود.

    ويتحرّك هيكل حالياً ضمن مساحة مركّبة تتطلّب مرونة ورشاقة في التنقل بين التضاريس الحادة، فهو من ناحية يصّر على تفادي الوقوع في فخ الفتنة الذي نصبته تل أبيب لجرّه نحو الاقتتال مع الحزب نيابة عنها، ومن ناحية أخرى يحرص على البقاء منضوياً تحت سقف قرارات السلطة السياسية، انما مع احتفاظه في الوقت نفسه بهامش التقدير في ما يخصّ نمط التطبيق.

    ولعلّ الاختبار الأصعب الذي ينتظر هذه المعادلة، يتمثل في المنطقتين التجريبيتين المقرّر أن ينتشر الجيش فيهما بموجب الاتفاق الإطاري الموقّع في واشنطن، علماً انّ المنطقتين المتداول بهما خاليتان من الاحتلال الاسرائيلي، ما يوحي بوجود غاية خبيثة وراء انتقائهما تحديداً.

    ووسط اشتداد الحملة على المؤسسة العسكرية، كان من اللافت استقبال رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون العماد هيكل في قصر بعبدا، حيث نوّه عون بـ«الدور الذي يقوم به الجيش، قيادة وضباطاً وأفراداً، لبسط سلطة الدولة وحفظ الأمن والاستقرار في البلاد وضبط الحدود وحماية السلم الأهلي»، مؤكّداً انّ «ما تتعرّض له المؤسسة العسكرية وقيادتها من حين إلى آخر من حملات تشكيك وافتراء، لن
    تؤثر على أدائها الوطني الملتزم قرارات السلطة السياسية، أو على ثقة المسؤولين واللبنانيين بها».

    وبهذا المعنى، فأنّ الأولوية القصوى الآن هي لحماية الجيش، حتى يظل بدوره قادراً على حماية الاستقرار. وإلاّ قد يقع المحظور الذي يتهيّبه البعض، بينما يتمناه البعض الآخر لحسابات ضيّقة.