من الدين العام إلى الاحتكارات: هكذا يُصنع الفقر في لبنان

  • 03 November 2026
  • 4 hrs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: الأخبار
    • article image
    زينب بزي -

    في لبنان، ثمّة صناعة اسمها «الفقر». هدفها نقل الموارد من فئات إلى أخرى بأدوات عدة مثل الدين العام الذي نقل الثروة من الطبقات الفقيرة والمتوسطة إلى أصحاب الرساميل. أيضاً من خلال فرض الضرائب غير المباشرة، والتركّز الاحتكاري الذي يرفع كلفة الخدمات الأساسية، والتفاوت في فرص التعليم والعمل. كل هذه العلاقة بين الفقر واللامساواة والسياسات الاقتصادية كانت محور نقاشات رافقت إطلاق «مرصد» الجامعة اللبنانية الأميركية لدراسة الفقر واللامساواة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في المشرق العربي، لا بهدف تعداد الفقراء والإشارة إلى مستويات مداخيلهم، بل لبحث أعمق في «صناعة» الفقر وأدواتها والمستفيدين منها.

    بحسب رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة، جمال حيدر، فإنّ معدّلات النموّ والمؤشرات الاقتصادية الإجمالية لا تكفي لفهم التنمية، إذ يمكن للاقتصاد أن ينمو من دون أن تتوزّع مكاسب هذا النمو بصورة متكافئة، أو أن تتحسّن فرص جميع السكان في التعليم والعمل والصحة. لذا، فإن طموح المرصد لا يقتصر على جمع البيانات وإصدار التقارير. بل يسعى إلى قراءة أوسع للنموذج الاقتصادي اللبناني. وهذا يعني أن المقاربة لا يمكن أن تكون إحصائية، بل سياساتيّة.

    وعلى هذا الأساس ينطلق أستاذ الاقتصاد غسان ديبة، من مراحل تشكّل هذا النموذج، أي سياسات ما بعد الحرب الأهلية التي قامت على: تثبيت سعر الصرف، الضرائب المنخفضة على الأرباح والثروة، الاعتماد على الدين العام لتمويل الإنفاق. عبر هذه الركائز «تحوّل الدين العام إلى آلية لإعادة توزيع الموارد من الطبقات الفقيرة والمتوسطة نحو الفئات الريعية وأصحاب الرساميل» يقول ديبة. فالدولة كانت تجبي الضرائب من المواطنين، فيما تدفع فوائد مرتفعة على سندات الدين التي تستثمر فيها المصارف. واستحوذت خدمة الدين على نحو ثلث الإنفاق العام، أي إن المديونية لم تكن مجرد عبء مالي على الخزينة، بل جزءاً من نظام اقتصادي استفادت منه فئات محددة وتحمّلت سائر فئات المجتمع كلفته.

    استمرّ هذا النموذج لسنوات طويلة بسبب «تحالف المصالح الاقتصادية والسياسية، وبالعلاقة التي جمعت الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية» وفق ديبة. لكن بدلاً من البحث في العلاقة بين الفقر وتراكم الثروة، كان هناك تركيز على قياس أعداد الفقراء وتصنيفهم وتوفير شبكات الأمان الاجتماعي لهم، وهذا يعكس، بحسب الكاتب فواز طرابلسي، تحوّلاً أوسع، من السعي إلى تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية، إلى الاكتفاء بالتخفيف من آثار الفقر، ومن دون أي مُساءلة للعلاقات الاقتصادية والطبقية التي تنتجه، أو البحث في مصادر الثروة وكيفية تراكمها. ويحذّر طرابلسي من «اختزال تفسير اللامساواة بالفساد والمحاصصة والزبائنية، من دون النظر إلى تداخل السلطة السياسية بالمصالح الاقتصادية، وإلى النظام الضريبي الذي يعتمد على الضرائب غير المباشرة التي يتحمّل عبئها المستهلكون، في مقابل ضعف إعادة توزيع الثروة».

    بالنسبة إلى أستاذ الاقتصاد ونائب عميد الدراسات العليا والبحث العلمي في الجامعة اللبنانية الأميركية، وليد مروش، فإن الفقر «ليس قدراً محتوماً»، بل يرتبط بالخيارات السياسية والاقتصادية التي تحدّد قدرة الناس على تأمين احتياجاتهم. «وفي لبنان، تبرز كلفة الطاقة مثالاً على ذلك. فمع تراجع التغذية الكهربائية العامة، باتت الأسر مضطرة إلى دفع مبالغ إضافية للحصول على الكهرباء من مصادر خاصة، ما يستنزف جزءاً من مواردها ويقلّص قدرتها على الإنفاق على الغذاء والصحة والتعليم». ويربط مروش هذه الأعباء بالاحتكارات وضعف المنافسة والضرائب غير المباشرة، معتبراً أنّها تساهم في رفع كلفة الحياة وتعميق الحرمان. وهذا يعني أنّ الفقر لا يرتبط بانخفاض الدخل وحده، بل أيضاً بالأسعار التي يدفعها السكان لتأمين حاجاتهم. فغياب الخدمات العامة أو ارتفاع كلفتها يحوّل الحصول على احتياجات أساسية إلى عبء إضافي، ويجعل الأسر الأقل دخلاً أكثر عرضة للحرمان.

    «بحلول 2022 كان ثلاثة من كل خمسة أشخاص في لبنان يعيشون الفقر»، هذه الخلاصة بنيت على دراسة أعدّها مروش بالتعاون مع الأستاذ في جامعة أوتاوا بول مقدسي، والأستاذة في الجامعة نفسها ميرا يزبك، لكن لم تكن النتيجة وحدها هي الأكبر حضوراً، أي حجم الفقر، بل «الطريقة التي اضطر الباحثون إلى اعتمادها للوصول إليه، إذ أعادوا بناء بيانات مستندة إلى مسوح الباروميتر العربي في ظلّ عدم توافر بيانات رسمية ملائمة ومتاحة للبحث». غياب البيانات ليس مجرّد نقص إحصائي أو مشكلة تقنية، بل يرتبط بالمُساءلة السياسية. وعندما لا تتوافر معلومات دقيقة ومنتظمة عن الفقر والتفاوتات وتوزيع الموارد، يصبح صعباً قياس نتائج السياسات الاقتصادية، وتحديد المستفيدين منها والمتضرّرين، ومحاسبة المسؤولين عن خياراتهم. بهذا المعنى، «لا يقتصر أثر غياب البيانات على إضعاف المعرفة بالواقع الاقتصادي والاجتماعي، بل يمتدّ إلى إضعاف القدرة على مُساءلة السياسات التي تنتج الفقر واللامساواة، بما يتيح استمرارها بعيداً من التقييم والمحاسبة» يقول مروش.

    ليس ذلك أسوأ ما في هذا الوضع، بل يمتدّ الأمر إلى طرق التعامل مع هذا الوقع. فالعلاقة بين السياسة والفقر صارت تُختزل ببرامج التحويلات النقدية والمساعدات الموجّهة إلى الفئات الأكثر فقراً، وفق ما أشارت إليه الأستاذة في علم الأنثروبولوجيا في الجامعة الأميركية في القاهرة، هانيا الشلقامي. وهي ترى أن هذه التحويلات ضرورية لتخفيف الحرمان، لكنها لا تكفي لإخراج الناس من الفقر ما دامت الأسباب التي تدفعهم إليه قائمة. وهذا ما يفرض على جدول الأعمال «مسؤولية السياسات العامة عن توفير التعليم والصحة والمياه والطاقة وفرص العمل، بدلاً من حصر الاهتمام في تحديد الأسر المستحقة للمساعدة ومراقبة التزامها بشروط الاستفادة». وتكتسب هذه المقاربة أهمية في لبنان، حيث يؤدي تراجع الخدمات العامة وارتفاع كلفتها إلى زيادة الضغوط المعيشية على الأسر. فالدعم النقدي قد يخفّف بعض الأعباء، لكنه لا يعالج وحده المشكلة التي تجعل الأسرة عاجزة عن تأمين الكهرباء أو الاستشفاء أو التعليم من دخلها.

    ولا تتوقف اللامساواة عند توزيع الدخل والثروة، بل تشمل أيضاً الفرص المتاحة للأفراد قبل دخولهم سوق العمل. بحسب دراسات تناولت مصر والأردن وتونس، أعدّها أستاذ الاقتصاد، راغي أسعد، هناك تأثير للخلفية الاجتماعية والاقتصادية للأسرة، على فرص التعليم والعمل. هناك أشخاص يحملون مؤهّلات متشابهة لكنهم يواجهون مسارات مهنية مختلفة؛ فأبناء الأسر الميسورة يستطيعون، في حالات كثيرة، الانتظار للحصول على وظائف أفضل، فيما يضطر أبناء الأسر الأقل دخلاً، إلى قبول أعمال غير نظامية أو منخفضة الجودة بسبب حاجتهم المباشرة إلى الدخل.