لبنان في الحسابات الأميركية: مرحلة جديدة من الضغوط

  • 04 November 2026
  • 3 hrs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image
    إبراهيم الرز -

    تتجه العلاقة بين واشنطن والسلطة اللبنانية إلى مرحلة جديدة، تتراجع فيها الرهانات الأميركية على تحقيق اختراق سياسي وأمني، لمصلحة مقاربة أكثر تشدداً تقوم على رفع مستوى الضغوط والمطالبة بنتائج ملموسة. فالإدارة الأميركية التي تولّت إدارة الملف اللبناني، ورعت المفاوضات مع إسرائيل، ووضعت ثقلها السياسي خلف اتفاق الإطار، تبدو اليوم أقل رضى عن مسار الأمور، في ظل تعثر المفاوضات وغياب التقدم الذي كانت تنتظره في ملف سلاح حزب الله. ويأتي هذا التحول بالتزامن مع الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي، وسط تحذيرات من احتمال تراجع موقع لبنان في أولويات إدارة دونالد ترامب خلال النصف الثاني من ولايته.

    منذ تولّي إدارة ترامب الملف اللبناني، لم تكتفِ واشنطن بمتابعة التطورات، بل سعت إلى إحداث تغييرات في الواقع السياسي والأمني في لبنان. ولم تقتصر جهودها على محاولة وقف المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، التي لم تتوقف فعلياً مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، بل شملت أيضاً معالجة ملف السلاح، وتعزيز سلطة الدولة، وإعادة ترتيب الوضع الأمني. وفي هذا السياق، كثّفت الإدارة الأميركية اتصالاتها مع المسؤولين اللبنانيين والإسرائيليين، وصولاً إلى رعاية اتفاق الإطار في حزيران الماضي، الذي هدف إلى وضع أسس لترتيبات أمنية جديدة، إلا أن تنفيذها بقي متعثراً. فالأشهر التي تلت توقيع الاتفاق كشفت اتساع المسافة بين التوقعات الأميركية والقدرة اللبنانية على الاستجابة لها. فالجولات التفاوضية لم تحقق اختراقاً في القضايا الأساسية، والخطوات العملية في ملف سلاح حزب الله بقيت دون المستوى الذي كانت تنتظره واشنطن، فيما تمسكت إسرائيل بشروطها الأمنية لمواصلة احتلال أجزاء من الجنوب.



    وتكشف مصادر مطلعة على أجواء الاتصالات الأميركية عن استياء متزايد عبّر عنه السفير الأميركي ميشال عيسى من أداء السلطة اللبنانية، في ظل اعتقاد سائد لدى واشنطن بأنها لم تتخذ الخطوات المطلوبة لمعالجة ملف سلاح حزب الله. وبحسب هذه المصادر، فإن الجانب الأميركي يعتبر أن حجم الدعم السياسي والدبلوماسي الذي وفره للبنان لم يقابله تقدم ملموس في تنفيذ الالتزامات، ما يثير تساؤلات داخل الأوساط الأميركية بشأن جدوى الاستمرار في المقاربة المعتمدة.

    ولا تبدو هذه المعطيات منفصلة عن مسار أوسع من الضغوط شهدته العلاقة بين البلدين. فالموقف الأميركي الذي بدأ بتشجيع الدولة اللبنانية على اتخاذ قرارات حاسمة، انتقل تدريجياً إلى المطالبة بجداول تنفيذية ونتائج قابلة للتحقق، وصولاً إلى تحميل السلطة مسؤولية عدم تحقيق التقدم المطلوب.



    غير أن المشكلة تكمن في اختلاف قراءة الطرفين للواقع اللبناني. فالإدارة الأميركية تتعامل مع ملف سلاح حزب الله باعتباره مدخلاً ضرورياً لإعادة بناء سلطة الدولة وتحقيق الاستقرار، وتعتبر أن استمرار الوضع القائم يعطّل إمكان الوصول إلى تسوية. وفي المقابل، لا تختلف السلطة اللبنانية مع واشنطن حول مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، بل إنها اتخذت قرارات تاريخية في هذا الاتجاه، عكست تحولاً واضحاً في مقاربة هذا الملف. إلا أن التباين يظهر في كيفية تنفيذ هذه القرارات والظروف المطلوبة لذلك، إذ تجد الدولة نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الاعتبارات الداخلية مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي والضغوط الميدانية، فضلاً عن المخاوف من أن يؤدي التعامل مع ملف السلاح بمعزل عن هذه المعطيات إلى مواجهة داخلية تهدد الاستقرار الذي تسعى القرارات نفسها إلى تكريسه.


    كما أن واشنطن لم تنجح، بدورها، في تحقيق تقدم موازٍ على الجانب الإسرائيلي. فمطالبها الموجهة إلى بيروت لم تقترن بقدرة مماثلة على انتزاع انسحاب إسرائيلي أو وقف الاعتداءات. وهذا الاختلال جعل السلطة اللبنانية مطالبة بتنفيذ التزامات شديدة الحساسية، من دون الحصول على ضمانات كافية بشأن الالتزامات المقابلة.


    ما بعد الانتخابات: اهتمام أقل وضغوط أكبر؟

    مع انتهاء الانتخابات النصفية الأميركية، تتجه الأنظار إلى مستقبل الانخراط الأميركي في لبنان خلال النصف الثاني من ولاية دونالد ترامب. فقد وصلت إلى بيروت، وفق المعطيات المتداولة، تحذيرات من ضرورة الاستفادة من الفرصة القائمة، على اعتبار أن الاهتمام الأميركي بالملف اللبناني قد لا يستمر بالزخم نفسه بعد الانتخابات، في ظل احتمال إعادة ترتيب أولويات الإدارة الأميركية.

    فالانتخابات النصفية لا تعني بالضرورة تغييراً في السياسة الخارجية الأميركية، لكنها تشكل محطة لإعادة تقييم الأولويات. وإذا كان ترامب قد استثمر جزءاً من رصيده السياسي في محاولة تحقيق اختراقات إقليمية، فإن تعثر بعض هذه المسارات قد يدفعه إلى التركيز على ملفات أخرى يعتبرها أكثر ارتباطاً بالمصالح الأميركية المباشرة.

    ويضاف إلى ذلك احتمال أن تكون واشنطن على أعتاب جولة جديدة من الحرب مع إيران، ما يزيد خطورة الوضع اللبناني. فإذا قرر حزب الله الانخراط في حرب إسناد جديدة إلى جانب طهران، فقد تتجاوز التداعيات مجرد تصاعد الضغوط الأميركية على السلطة اللبنانية، لتصل إلى رفع واشنطن أي تحفظات على توسيع العمليات العسكرية الإسرائيلية، ومنح تل أبيب ضوءاً أخضر لتصعيد حربها على لبنان. وعندها لن يكون الحديث عن احتمال تراجع الاهتمام الأميركي بالملف اللبناني فحسب، بل إلى توفير الغطاء السياسي لعمليات عسكرية إسرائيلية أوسع، بما يضع لبنان أمام مرحلة أكثر خطورة.



    هل تتغير أدوات الضغط الأميركي؟

    يبرز في هذا الإطار موقف واشنطن من مستقبل قوات اليونيفيل، كأحد المؤشرات على طبيعة المقاربة الأميركية للمرحلة المقبلة. فالولايات المتحدة تتمسك بإنهاء المهمة بصيغتها الحالية، وتبدي تحفظاً على الخيارات المطروحة لاستبدالها بحضور دولي جديد، رغم المخاوف اللبنانية والأوروبية من الفراغ الأمني الذي قد ينشأ في الجنوب.

    ويمكن قراءة هذا الموقف في إطار رغبة أميركية في الانتقال إلى ترتيبات تقوم بصورة أساسية على اتفاق الإطار. وفي هذا السياق، تبرز فرضية سياسية مفادها أن واشنطن قد تسعى، عبر رفض صيغ التمديد أو الاستبدال المطروحة، إلى الدفع نحو طلب عرض اتفاق الإطار على مجلس الأمن، بهدف توفير مظلة دولية لتنفيذه وتحويله إلى مرجعية تضاعف الضغوط على الأطراف المعنية.

    وإن كانت هذه الفرضية لم تتحول إلى توجه أميركي معلن، فإنها تطرح احتمال استخدام واشنطن أدوات مختلفة لفرض تنفيذ الاتفاق. غير أن إضفاء مظلة أممية عليه يتطلب قراراً من مجلس الأمن يحدد الالتزامات وآليات تنفيذها، ولا يكفي مجرد عرضه على المجلس لمنحه قوة إلزامية إضافية. كما أن فعالية أي خطوة من هذا النوع ستبقى مرتبطة بمدى شمولها الالتزامات الإسرائيلية، ولا سيما الانسحاب ووقف الاعتداءات.

    وتطرح هذه التطورات أيضاً مسألة الدور الأوروبي في لبنان. فبينما تسعى العواصم الأوروبية إلى المحافظة على حضور دولي في الجنوب وتفادي الفراغ الأمني، تتمسك واشنطن بموقف أكثر تشدداً من مستقبل اليونيفيل والبدائل المطروحة. لكن الأوروبيين، على الرغم من استمرار حركتهم الدبلوماسية، لا يملكون حتى الآن القدرة على توفير بديل متكامل عن الدور الأميركي، سواء في المفاوضات مع إسرائيل أو في ضمان تنفيذ أي ترتيبات أمنية جديدة.

    وتبقى المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة في العلاقة بين واشنطن وبيروت، خصوصاً أن الاستياء الأميركي من أداء السلطة اللبنانية يتزامن مع متغيرات إقليمية قد تؤثر في أولويات إدارة ترامب. لكن الواضح أن السلطة اللبنانية ستكون أمام مطالب أميركية لم ولن تتغير، فيما لا تزال قدرتها على تنفيذها مرتبطة بالتعقيدات الداخلية واستمرار الاحتلال الإسرائيلي، وبمدى استعداد واشنطن لاستخدام نفوذها على الجانبين اللبناني والإسرائيلي. وفي المحصلة، من دون تقدم في ملف الانسحاب الإسرائيلي وآليات حصرية السلاح، سيبقى اتفاق الإطار معطلاً.

All news

  • Filter
  • All
    Politics
    Lebanon
    World
    People
    Business
    Health
    Sports
    Technology