A
+A
-جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة
يبدو أنّ كل الأجواء باتت مهيأة لبدء الاستعدادات لعقد مؤتمر وطني يدعو إليه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ويكون بمثابة دعامة للدولة لتتمكن من نقل البلاد إلى مرحلة جديدة تؤسس لمستقبل مستقر، بعد سنوات عجاف طوال، لم تُسجّل فيها أي إيجابية على مستوى إرساء قواعد دولة الحق والقانون والمؤسسات.
ولا يلقى المؤتمر الوطني كفكرة وإطار معارضة المكوّنات السياسية والطوائفية، إذا تناولت الموضوع من زاوية الوحدة الوطنية الضامنة للعيش معاً تحت راية العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.
البطريرك الماروني الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي أيّد طرح المؤتمر الوطني لـ«تنقية الذاكرة وضرورة العيش معاً»، خلال لقائه أمس مع مجلس نقابة محرّري الصحافة اللبنانية، ووجوب مقاربة كل المواضيع الخلافية. ومع إشارته الواضحة إلى أنّ «التطبيع ليس وقته آلان»، وتشديده على أنّ «لا صدام بين الجيش اللبناني و«حزب الله»، وأنّ الجيش يتصرّف بحكمة»، فإنّه يرى «أنّ وقف النار ليس قائماً، وأنّ إسرائيل تهدّد وتنفّذ تهديدها»، متسائلاً: «لماذا تحتفظ إسرائيل حتى اليوم بالنقاط الخمس التي تحتلها، فالقرار 1701 ليس كُوني فكانت»، من دون أن يغفل أنّ الأوان «قد حان لتوحيد السلاح وهذا ما أورده إتفاق الطائف، وأنّ الحل يكون ديبلوماسياً لعدم قدرتنا على هذه الحرب». وإذ لفت الراعي إلى وجوب حصر السلاح بيد الدولة، أشار إلى «عدم سهولة نزع السلاح آلان، والأمر يتطلّب وقتاً ويجب أن نصل إلى ذلك».
وكان سبق كلام رأس الكنيسة المارونية كلام لرئيس الجمهورية السابق أمين الجميل الذي دعا إلى مؤتمر وطني للمصالحة، واصفاً إياها بـ«مفتاح السلام في لبنان». وفي سياق متصل يقول زائرو الكرسي الرسولي في الفاتيكان إنّ البابا فرنسيس ودوائر الحاضرة يؤيّدون توافق اللبنانيِّين وتفاهمهم، والحوار المسيحي - الإسلامي على المستوى الروحي، والتقاء الأفرقاء السياسيِّين من كل الطوائف والاتجاهات، في مؤتمر يدعو إليه رئيس الجمهورية بدعم من الحكومة، من أجل مواكبة العمل الدولي والإقليمي ومتابعة ما يُخطط للبنان والمنطقة، لتكون البلاد في منأى عن أي تداعيات محتملة.
على أنّ القيادات الإسلامية من سنّية، شيعية ودرزية ليست ضدّ أي توجّه يصبّ في خانة مؤتمر وطني يضخ الدم في شرايين الميثاقية التي تعرّضت وتتعرّض إلى امتحانات قاسية لدى كل استحقاق. وتتلاقى أدبيات رئيس المجلس النيابي نبيه بري والقيادات السنّية، ومفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان، ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، وشيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى، على ضرورة مواجهة المرحلة بأوسع قاعدة تضامن وطني. على أنّ المؤتمر الوطني الذي تزداد المطالبة به لن يكون مؤتمراً تأسيسياً على حساب «الطائف»، ولن يكون بديلاً عن الحكومة، بل هو منصة تشاركية لحوار يقوده رأس الدولة، لتحقيق أمور واردة في وثيقة الوفاق الوطني التي أضحت دستوراً، وبات من الملحّ معالجتها اليوم قبل الغد، قبل أن تواجه البلاد أحداثاً تدهمها كمثل «دهم المخاض للحبلى» على ما يقول القديس بولس في إحدى رسائله. كل المعطيات متوافرة، والأرضية أصبحت ملائمة أكثر فأكثر للاستجابة لفكرة المؤتمر الوطني الذي لن يبقي موضوعاً خلافياً أو حساساً إلّا ويضعه على طاولة البحث، في غرض الوصول إلى الخواتيم التي ترسّخ الاستقرار العام. لكنّ المبادرة، والتوقيت هما في يَد رئيس الجمهورية، في ضوء ما يمتلك من معطيات وأوراق يُحسن استخدامها عندما يحين الأوان.