أنطوان الأسمر-
تزداد وتيرة التصعيد الإسرائيلي في ضوء استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت مرتين منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024. ولا يمكن قراءة هذا التصعيد بمعزل عن التطورات الإقليمية، خصوصًا مع ازدياد الضغوط الأميركية على إيران، ومحاولات إسرائيل فرض واقع جديد على لبنان، سواء عبر الضغط السياسي أو من خلال تكثيف العمليات العسكرية.
يُقارب التصعيد الإسرائيلي من خلال زاويتين أساسيتين:
-الأولى تتعلق بلبنان نفسه، حيث تسعى تل أبيب إلى فرض مسار تفاوضي مباشر يهدف إلى إعادة صوغ توازن القوى في البلاد، خصوصًا في ما يتعلق بسلاح حزب الله. في هذا السياق، برز موقف رسمي لبناني موحد يرفض التفاوض المباشر مع إسرائيل، مع تأكيد أركان الحكم الثلاثة على أن أي معالجة لملف السلاح يجب أن تكون ضمن إطار حوار داخلي، وهو ما يتعارض مع الأجندة الأميركية التي تسعى إلى استثمار ضعف حزب الله النسبي بعد الحرب الأخيرة لفرض معادلات جديدة.
لا ينفصل هذا التصعيد عن محاولة إدراج لبنان، ولو بشكل غير مباشر، في "اتفاقيات أبراهام" التي انضم إليها أخير بعض الدول العربية. غير أن هذا التوجه يصطدم برفض قاطع من حزب الله، في حين تحاول الدولة اللبنانية تجنّب الدخول في هذا المسار تفاديًا لتداعياته الداخلية. وتاليا، قد تكون الضغوط الإسرائيلية جزءًا من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تغيير المشهد السياسي في لبنان عبر استغلال حال التوتر الأمني لتحقيق مكاسب ديبلوماسية.
-الزاوية الثانية لبنان ترتبط بالسياق الإقليمي الأوسع. إذ يأتي هذا التوتر في ظل احتدام الصراع الأميركي-الإيراني، حيث باتت واشنطن تخيّر طهران بين التفاوض على اتفاق شامل يشمل برنامجها النووي وسلاحها الباليستي والطائرات المسيرة وأذرع نفوذها الأربع، وبين مواجهة عمل عسكري محتمل. في هذا الإطار، تُعتبر الضغوط على لبنان جزءًا من استراتيجية أميركية-إسرائيلية أوسع تهدف إلى تقليص نفوذ إيران الإقليمي عبر استهداف تلك الأذرع، وعلى رأسها حزب الله.
ليس خافيا أن واشنطن، مدعومة من المجتمع الدولي، تواصل ممارسة ضغوط مكثفة على لبنان من خلال مسارين رئيسيين:
1- تسريع عملية تفكيك البنية العسكرية لحزب الله ومصادرة سلاحه، ملوّحة بإمكان منح إسرائيل الضوء الأخضر لتنفيذ هذه المهمة بالقوة العسكرية. ويبرز في هذا الإطار إصرار المجتمع الدولي على تطبيق القرار 1701 بكامل مندرجاته، ليس فقط ضمن منطقة جنوب الليطاني، بل في مختلف المناطق اللبنانية.
كان لافتًا تحميل نائبة المبعوث الخاص للرئيس الأميركي للشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس، الدولة اللبنانية مسؤولية انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار، إذ انتقدت أداء الجيش اللبناني في مواجهة المجموعات التي تطلق الصواريخ من الجنوب، مشيرة إلى أن "الجيش اللبناني الذي ندعمه لا يقوم بالجهود الكافية لمنع هذه العمليات".
2-إطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، عبر اللجان الثلاث المعنية بترسيم الحدود البرية، ومعالجة ملف الأراضي المحتلة حديثًا (التلال الخمس الاستراتيجية وملحقاتها)، إضافة إلى قضية الأسرى اللبنانيين. غير أن هذا الملف لم يشهد أي تقدم يُذكر بسبب رفض الثنائي الشيعي لأي تفاوض خارج الأطر العسكرية القائمة حاليًا في الناقورة، كما يرفض رئيس الحكومة نواف سلام أي مفاوضات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي.
وتتشدد الإدارة الأميركية في هذا المطلب، إذ أصبح واضحًا أن أي عودة للنازحين إلى المناطق الحدودية، أو الشروع في عمليات إعادة الإعمار في المناطق الجنوبية المتضررة، ستكون مشروطة باستجابة لبنان للرؤية الأميركية بشأن التفاوض.
سيكون لبنان، الذي يعاني أصلًا من أزمات سياسية واقتصادية خانقة، أحد المتضررين الأساسيين من أي مواجهة إقليمية واسعة، لا سيما أن حزب الله يُعتبر لاعبًا رئيسيًا في هذه المعادلة.
ثمة مقاربتان لمآل التصعيد الإسرائيلي:
أ-واحدة تستبعد اندلاع حرب شاملة، ولا تعتقد انه السيناريو الأكثر ترجيحًا في الوقت الراهن. إذ من الواضح أن إسرائيل تعتمد سياسة "الضغط التدريجي" لتحقيق أهدافها الاستراتيجية دون المخاطرة بالدخول في مواجهة عسكرية واسعة النطاق.
ب-وثانية تعتقد أن استمرار العمليات الإسرائيلية، خصوصا في مناطق تُعتبر حساسة بالنسبة إلى حزب الله، قد يدفعه إلى ردّ فعل غير محسوب، مما قد يؤدي إلى تصعيد غير مرغوب فيه من الطرفين.
يعيد هذا الاحتمال إلى الأذهان سيناريوهات سابقة، حيث شهدت المنطقة جولات تصعيد محدودة لم تتطور إلى حرب شاملة، لكنها أسهمت في تغيير معادلات القوة.