<
27 February 2025
مرة جديدة، السلم الاهلي بيد عون وسلام قبل بقية اللبنانيين: أميركا تطلب 6 خطوات نحو ... التطبيع!

الأخبار: ابراهيم الأمين-

دعكم من جلسات مجلس النواب. ليس في الأمر إهانة لأي من النواب أو وزراء الحكومة. لكن، ما يحصل على مستوى تركيبة السلطات في لبنان، ليس فيه جديد لجهة آليات الحكم. الجديد فيه مرتبط بالوجوه التي حلّت في مراكز الحكم الرئيسية فحسب. وهي وجوه أطلّت ربطاً بتطورات شهدها لبنان والمنطقة، ولم تكن لتكون في موقعها اليوم لولا ما حصل خلال 15 شهراً. مرة جديدة، إنها نتائج الحرب الإسرائيلية - الأميركية على بلدنا ومنطقتنا.

 

النقاش الصعب حول ما يحصل في سوريا لا علاقة له بتطلّعات الشعب السوري. بل بانعكاسات ما يحصل في سوريا على بقية دول المنطقة. ومع احترام إرادة الشعب السوري في تقرير مصيره، لكننا جميعاً نعرف أن هذا لا يحصل اليوم، تماماً كما هو الأمر في لبنان، حيث لا يقرر شعبنا مصيره بيده، وهي أيضاً حال دول تهتزّ بكل أركانها هذه الأيام، كالأردن الذي يواجه أصعب امتحان له منذ قيام الحكم الهاشمي. وهو وضع له كذلك تداعياته على أكبر دول العالم العربي، مصر، كما ستلمس الجزيرة العربية، قريباً، أن كل الخيرات لديها لا تكفي لحماية أنظمتها.

 

وإذا كان النموذج الجديد من حكم رأس المال العالمي محل اختبار في الولاية الجديدة لدونالد ترامب، فإنه، على قباحته، يكشف الضعفاء في هذا الكون. ها هي أوروبا تدخل أشدّ مراحل التقوقع الداخلي والعجز عن المواجهة. وها هي الصين الضخمة التي تخيف العالم غير قادرة على المبادرة بعد. وها هي روسيا تحاول حصد مكاسب خاصة على حدودها، ولكنها تدفع ثمن ذلك ممّا تبقى من نفوذها العالمي. أما إيران التي اختطّت لنفسها طريقاً قاسياً منذ انتصار الثورة الإسلامية، فتواجه اليوم أكبر التحديات. إذ إن الغرب المجنون يريد تدميرها، لا إسقاط نظامها فقط، ويريدها دولة عاجزة تحكمها مجموعة تابعة أين منها حكم الشاه.

 

قطع العلاقات مع ايران واقفال سفارتها، وتوطين الفلسطينيين ضمن برنامج يبدأ بنزع السلاح والغاء المخيمات، وفرض حصار مالي لمنع اعادة اعمار القرى الحدودية واعلان لبنان الغاء حالة العداء مع اسرائيل والتزام الوصفة الاميركية لكل التعيينات القضائية والمالية والامنية والعسكرية.

 

وسط هذا العالم المجنون، يقترب لبنان من استحقاق لم يكن أحد يتخيّل أنه سيطرح على الطاولة بهذا الشكل. فها هي الولايات المتحدة تستعد للإعلان، جهاراً نهاراً، أنها تريد من لبنان إعلاناً أولياً بإنهاء حالة العداء مع إسرائيل، وإسقاط تصنيف إسرائيل كعدو، قبل أن تلي ذلك طلبات أخرى، تبدأ باعتبار أي فعل سياسي أو عسكري ضد إسرائيل مخالفاً للقانون، ثم تتدرج في عملية التطبيع إلى المستوى الذي يحتاجه العدو من لبنان. وهو، بالمناسبة، ليس مستعجلاً لفتح سفارة في بيروت، بل يريد من اللبنانيين أن يدخلوا في حرب أهلية يكون حاضراً فيها إلى جانب من يريد نزع سلاح المقاومة، وفي مواجهة كل رافض لتوطين الفلسطينيين، أو إعادة النازحين السوريين إلى بلادهم.

 

وحتى لا يبقى الكلام عاماً، من المفيد، بل من الضروري، الإشارة إلى وقائع متصلة بهذا الاستحقاق:

 

أولاً، بات واضحاً ومعلوماً لدى غالبية المرجعيات السياسية في لبنان أن الولايات المتحدة كانت صريحة في نقاشاتها مع كل من ورد اسمه على لائحة المرشحين لرئاسة الجمهورية، برغبتها بإنهاء الصراع مع إسرائيل.

كانت واشنطن تتوقع من إسرائيل الإجهاز على المقاومة، وحزب الله، لكن فشل العدو في تحقيق أهدافه، دفع واشنطن للانتقال سريعاً إلى الخطة البديلة التي تفرض على الحكم في لبنان سياسات أكثر حدّة في مواجهة المقاومة. ولذلك، دعمت الولايات المتحدة، بقوة، وصول العماد جوزيف عون إلى رئاسة الجمهورية، وسهّلت وصول القاضي نواف سلام إلى رئاسة الحكومة. وما إن أُنجزت المهمة دستورياً، حتى باشرت برنامجها العملاني لدفع الحكم (رئاسة وحكومة) نحو خطة عمل تستهدف، أولاً وأخيراً، إزالة العوائق من أمام مشروع التسوية مع العدو.

 

ثانياً، سعت الولايات المتحدة، بدعم من السعودية خصوصاً، إلى إبعاد حزب الله عن الحكومة. ومع أن عون وسلام أبلغا الأميركيين صراحة بأن نتائج الحرب لا تسمح بذلك، إلا أنهما وافقا على خطوات في تشكيل الحكومة، بهدف تقليص نفوذ حزب الله أو تأثيره في قرارات الحكومة. وبات واضحاً في الأيام الأخيرة أن عون وسلام نفّذا طلباً تريده الولايات المتحدة، ولا يتعارض مع مصالحهما، لجهة إبعاد التيار الوطني الحر وتيار المردة عن الحكومة. والسبب البسيط، لا يتعلق بأمور داخلية، بل فقط لأن هناك من همس في أذن هؤلاء أن الوقائع اللبنانية قد تتيح قيام تحالف بين ثنائي أمل - حزب الله والتيار الوطني الحر وتيار المردة، يمنح هذه الأطراف القدرة على إسقاط الحكومة أو تعطيل أي قرارات لا تناسبهم.

 

ثالثاً، باشرت الولايات المتحدة ممارسة ضغوط قصوى على أركان الحكم الجديد. وجاء الاختبار الأول، من خلال الشروع في برنامج عمل يهدف إلى قطع العلاقات مع إيران وإقفال سفارتها في بيروت ومنع دخول الإيرانيين إلى لبنان. وعندما أثير موضوع الطيران الإيراني، لم يكن الأمر يتعلق برحلة محددة، بل كانت السفيرة الأميركية ليزا جونسون شديدة الوضوح، عندما قالت لرئيس الحكومة: إذا كنت تريد أن يبقى المطار مفتوحاً، عليك منع الطائرات الإيرانية من الهبوط فيه!

 

رابعاً، اعتبار قطع العلاقات مع إيران مدخلاً أساسياً في برنامج محاصرة المقاومة مالياً، ليس بهدف محاصرة الحزب كقوة سياسية ذات أذرع اجتماعية، بل كجزء ملحّ من خطة منع إعادة إعمار ما هدّمته الحرب الإسرائيلية على لبنان، تحديداً في الجنوب، وخصوصاً في قرى الحافة الأمامية. وكل كلام عن اشتراط المانحين شفافية واستقلالية لأي صندوق جديد للإعمار، ليس سوى كذبة، تشبه تماماً الكذبة الشهيرة التي حملتها السفيرة الأميركية السابقة دوروثي شيا إلى الرئيس ميشال عون، عندما عرض الأمين العام لحزب الله السيد الشهيد حسن نصرالله استقدام فيول من إيران لشركة كهرباء لبنان، وشاركها عملاؤها اللبنانيون في الترويج لمشروع استجرار الطاقة من الأردن، والغاز من مصر عبر سوريا. ومن يومها، لم يحصل شيء، ولن يحصل شيء. وكل من يراهن على دعم مالي، عربي أو دولي، عليه أن يعرف أن الأثمان المقابلة لا تقلّ عن حرب أهلية تدمر البلاد، علماً أن خزائن العالم ليست مليئة بأموال تُعطى هبات لأهل لبنان وسوريا وفلسطين.

 

خامساً، الدخول فوراً في المرحلة الثانية من الانقلاب، عبر برنامج للتعيينات في الإدارة العامة، وفي كل الأسلاك المدنية والعسكرية والمالية والقضائية. ستُصمّ آذاننا بالحديث عن مرشحين من أصحاب الكفاءات والخبرات الآتين من خلف البحار، ويريدوننا أن نصدق أن هؤلاء سيتخلّون عن مداخيلهم الهائلة في الخارج مقابل بضع مئات من الدولارات، فقط لخدمة لبنان، علماً أنّ كل خبراتهم وأفكارهم لا تخالف التوجه الأميركي في إدارة العالم.

 

إذ أن المهمة الأولى والوحيدة أمامهم، هي بيع أصول الدولة والناس، بحجة استخدامها لإعادة الودائع وتشغيل الدولة. وفي هذا المجال، سيكون لبنان أمام اختبار غير عادي، لأن فساد السلطات المتعاقبة سيجعل الجمهور يقبل بأي حل يأتي على يد آخرين. لكن الحقيقة أنّ رئيس الجامعة الاميركية في بيروت فضلو خوري، سيلعب مرة جديدة، دور مدير شركة التوظيف في الإدارة العامة اللبنانية كلها، علماً بأنه يحضّر أوراقه، بانتظار الإذن الأميركي، للتوجه إلى سوريا بدعوة من رئيسها الانتقالي أحمد الشرع، وحيث ينتظر الفريقَ الأميركيَّ برنامج عمل طويلٌ جداً، في حال وقع الحكم السوري الجديد تحت وطأة الضغوط الغربية التي تحمل سلسلة من المطالب الكبيرة، ليس أقلها أيضاً إعلان إلغاء حالة العداء مع إسرائيل والشروع في بناء ترتيبات سياسية وأمنية معها.

 

وهي مهمة تتطلب من الحكم في سوريا - إن وافق - تنفيذ جزء من مهمة ضرب المقاومة في لبنان.


سادساً، إطلاق الخطوات العملانية الهادفة إلى محو المخيمات الفلسطينية عن وجه الأرض، عبر سلسلة من الخطوات، تبدأ بالإعلان عن الحاجة إلى نزع السلاح منها، ثم إخضاعها بكل ما فيها لسلطة الحكومة اللبنانية، ثم الشروع في ما يسميه البعض «تطهير» المخيمات من المطلوبين والفارّين من وجه العدالة، أو ممن ينتمون إلى «قوى إرهابية»، ثم تحويل مطلب الحقوق المدنية إلى برنامج لإخلاء المخيمات من سكانها، ودفعهم إلى الذوبان في المجتمع اللبناني، قبل إطلاق برنامج الامتيازات الخاصة تمهيداً لمنحهم الجنسية مقابل دعم مالي للحكومة اللبنانية. وحتى حصول هذا الأمر، ستباشر السلطات عندنا برنامج منع أي قيادات من قوى المقاومة الفلسطينية من التواجد الدائم على أراضي لبنان، قبل الوصول إلى مرحلة منعهم حتى من زيارته.

 

وعليه، إن محاولة التحايل على الوقائع، والتصرف بسذاجة من قِبل أهل السلطة الجديدة، وادّعاء أن لبنان ليس مدعواً إلى التطبيع مع العدو، لهو أمر يثير الشفقة. وإذا كان الرئيس عون على اطّلاع منذ وقت غير قصير على مطالب الأميركيين، فإن الرئيس سلام يعرف أيضاً الكثير عن هذا الأمر، وسبق له أن جرّب التفاعل مع مشروع مشابه مع الرئيس أمين الجميّل بعد اجتياح 1982، قبل أن يكتشف أن الأمر لا يتعلق بترتيبات لبناء الدولة، بل بمشروع صلح مع العدو.

 

وتجربة الرئيس سلام خلال العقود الأربعة الماضية، وعيشه اللصيق في الغرب، حيث النفوذ الهائل للمؤسسة الصهيونية في العالم، كما لمس حجم الضغوط لمنع مواجهة القتلة في فلسطين، وهي تجربة تسمح له بأن يعرف ما هو المطلوب.

 

وبالتالي، فإن أيّ محاولة للخضوع لهذه الطلبات أو مسايرتها تحت عنوان «الانحناء للعاصفة»، ليست في حقيقة الأمر سوى انصياع لطلبات لن تؤدي سوى إلى اندلاع الحرب الأهلية في لبنان مجدداً، لأن من السذاجة الاعتقاد بأن تيار المقاومة في لبنان سيقبل بمثل هذا الأمر، أياً تكن الأكلاف والتضحيات!

الأخبار